عبد الشافى محمد عبد اللطيف

170

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

في عالم العصور الوسطى ؛ لأنها أسست على أرقى المبادئ الأخلاقية والمثل العليا ، وناهيك بدولة تقوم على أساس عقيدة وشريعة إلهية . * الإسلام دين عالمي : الإسلام هو خاتمة رسالات اللّه سبحانه وتعالى إلى البشرية كلها ، فليس بعد القرآن الكريم كتاب سماوي ، وليس بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلم رسول ؛ يقول تعالى : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ . . . [ الأحزاب : 40 ] . ولقد صور النبي صلّى اللّه عليه وسلم موقع رسالة الإسلام من رسالات السماء على الوجه الآتي : « إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ، ويقولون : هلّا وضعت هذه اللبنة ؟ » قال : « فأنا اللبنة » « 1 » . والإسلام هو دين اللّه الحق ؛ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] . وهو الدين الذي هتفت به ألسنة الأنبياء جميعا - عليهم الصلاة والسلام - من لدن نوح إلى عيسى ابن مريم ؛ فنوح قال : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ يونس : 72 ] ، وإبراهيم عليه السّلام يقول : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] ، ويعقوب يوصي بنيه قائلا : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 132 ] ، ويوسف يناجي ربه قائلا : أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : 101 ] ، وموسى يقول لقومه : يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [ يونس : 84 ] ، والحواريون يجيبون المسيح قائلين : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 52 ] . وهكذا ، فما من نبي إلا ولهج لسانه بكلمة الإسلام الخالدة ؛ لأن مهمتهم واحدة وأساس دعوتهم واحد ؛ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . . . [ الشورى : 13 ] . وإذا كان الأمر كذلك ؛ فلماذا كانت رسالات الأنبياء السابقين محدودة الزمان والمكان والبيئة ، وكانت رسالة خاتمهم محمد - عليه الصلاة والسلام - عامة لكل الجنس البشري في كل زمان ومكان ؟ أما كون رسالات الأنبياء السابقين كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة ؛ فهذه حقيقة تاريخية . فنوح وهود وصالح وإبراهيم

--> ( 1 ) ابن حجر العسقلاني - فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 6 / 158 ) .